حيدر حب الله
119
شمول الشريعة
بعدد أنظار المجتهدين فيكون الحكم عند الله من الأوّل هو الوجوب لمن يحصل عنده ظنّ الوجوب ، والحرمة لمن يحصل عنده ظنّ الحرمة ، فظنّ الفقيه جزء من موضوع الحكم ، بصرف النظر عن معقوليّة هذا الأمر تبعاً لمعقوليّة التصويب . نعم ، قد توحي بعض النصوص الحديثيّة بوجود من كان لا يرى شموليّة الشريعة ، مثل خبر أبي خديجة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « إنّ أبي صلوات الله عليه أتاه أخوه عبد الله بن علي ، يستأذن لعمرو بن عبيد وواصل وبشير الرحال ، فأذن لهم ، فلمّا جلسوا ، قال : ما من شيء إلا وله حدٌّ ينتهي إليه ، فجيء بالخِوَانِ فوُضِع ، فقالوا فيما بينهم : قد والله استمكنّا منه ، فقالوا : يا أبا جعفر هذا الخوان من الشيء ؟ فقال : نعم ، قالوا : فما حدّه ؟ قال : حدّه إذا وضع قيل : بسم الله ، وإذا رفع قيل : الحمد لله ، ويأكل كلّ إنسان مما بين يديه ولا يتناول من قدّام الآخر شيئاً . . » « 1 » ، فكأنّهم ما كانوا يقولون بأنّ لكلّ شيء حدّاً ، وهذا تصوّر يُفترض أن يقوم على عدم شمول الشريعة « 2 » ، ولهذا غمز الإمام فيهم لما جلسوا ، وتكشف الرواية عن جدل بينهم وبينه حول القضيّة ، فلعلّ بعض المعتزلة - مثل هؤلاء - كان لهم كلام في حدود الشريعة والتكليف . كما يشير نصّ مهمّ لابن رشد الفقيه ( 595 ه - ) ، إلى أنّ أهل الظاهر يقولون بأنّه حيث لا نصّ لا يجري القياس وما سكت عنه الشارع فلا حكم له « 3 » ، وهذه نسبة ليست سهلة للمذهب الظاهري . رابعاً : سلّمنا أنّ الإجماع والتسالم وغير ذلك قام على الشموليّة بالمعنى المنظور للقائلين بالشريعة بحدّها الأعلى ، وأنّه إجماعٌ مذهبيٌّ أو إسلاميّ ، لكنّ هذا الإجماع يبدو لي مدركيّاً بشكل واضح وجليّ ، خاصّةً عند الشيعة الإماميّة ؛ وذلك أنّنا رأينا كيف أنّ الاجتهاد الإسلامي التَمَسَ أدلّةً لهذه القضيّة من الكتاب والسنّة والعقل ، وأنّ جملةً وافرة من هذه الأدلّة كانت قريبةً من أنظار وممارسات المجتهدين كالنصوص القرآنيّة ، وكذلك مفاهيم مثل مفاهيم الخاتميّة
--> ( 1 ) الكافي 6 : 292 - 293 ؛ والمحاسن 2 : 431 . ( 2 ) بصرف النظر عن أنّ القول بأنّ لكلّ شيء حدّاً ينحصر في الدلالة على شمول الشريعة أو لا ، حيث هذا ما سندرسه في الاستدلال الحديثي على نظريّة الشمول ، وسوف نأتي على ذكر هذه الرواية بعينها هناك ، إن شاء الله تعالى . ( 3 ) انظر : ابن رشد ، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 5 .